عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
117
الذيل على طبقات الحنابلة
أحدها : أن تكون بمعنى " غير " . والثاني : أن تكون بمعنى " دع " فتكون مبنية على الفتح . والثالث : أن تكون بمعنى " كيف " فإن دخلت " من " عليها كانت معربة ، وجُرّت بمن . وذكر أن أبا علي الفارسي حكى عن أبي زيد القلب ، فيقال : " بهل " إلا أنها لا تستعمل مثل " بله " لأنها فرع . وقال أبو البقاء : سألني سائل عن قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما يرحم الله من عباده الرحماء " ، فقال : أيجوز في " الرحماء " الرفعُ والنصب ؟ وذكر أن بعضهم زعم أن الرفع غير جائز . فأجبت : بأن الوجهين جائزان . أما النصب : فله وجهان ، أقواهما : أن تكون " ما " كافَّة لأن عن العمل فلا يكون في الرحماء ، على هذا إلا النصب ، لأن " إن " إذا كُفَّت عن العمل وقعت بعدها الجملة ابتدائية ، ولم يبق لها عمل ، فيتعين حينئذ نصب الرحماء " ب " يرحم " إذ لم يبقَ لها تعلق بإنَ . ومثله : " إنما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ " " البقرة : 117 " على قراءة من نصب ، وفائدة دخول " ما " على هذا الوجه : إثبات المذكور ، ونفي ما عداه ، فتثبت الرحمة للرحماء دون غيرهم . والوجه الثاني : أن تكون " ما " زائدة ، و " إن " بمعنى " نعم " وزيادة " ما " كثيراً ، ووقوع " إن " بمعنى " نعم " كثير . فمنه قوله تعالى : " إن هَذَانِ لَسَاحِرَانِ " " الفرقان : 63 " ، في أحد القولين . ومنه قول ابن الزبير ، حين قال له رجل : لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال : " إنَّ وراكبها " وهو كثير في الشعر . فإن قيل : إنما يجيء ذلك بعد كلام تكون جواباً له ، ولم تسبق " ما " يجاب عليه : " نعم " . قيل : إن لم يسبق لفظاً فهو سابق تقديراً ، فكأن قائلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يرحم الله من عباده من يرحم الخلق ، وإن كان مقصراً فيما بينه وبين